عبد الملك الخركوشي النيسابوري

408

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وعن الزهري أن أبا بكر الصديق رضى اللّه عنه قال يوما وهو يخطب الناس : « استحيوا من اللّه عزّ وجلّ ، فو اللّه ما خرجت لحاجة منذ بايعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أريد الغائط إلا وأنا مقنع الرأس ، حياء من اللّه عزّ وجلّ » . وقال يحيى بن جعدة : إذا رأيت الرجل قليل الحياء ، فاعلم أنه مدخول في نسبه . ويقال : لا دواء لمن لا حياء له ، ولا حياء لمن لا وفاء له ، ومن اشتد حياؤه صان عرضه ، ومن قل حياؤه صنع ما شاء ، وقال ما أحبّ . وقال أبو عثمان : من تكلّم في الحياء ولم يستح من اللّه عزّ وجلّ فيما يتكلم به فهو مستدرج . وعن أبي على الروذباري قال : إن لكل شئ واعظا ، وواعظ القلب الحياء ، وأفضل كنز المؤمن الحياء من اللّه عزّ وجلّ . وقال سرى : ترك الذنوب على ثلاثة أوجه ؛ خوف النار ، والرغبة في الجنّة ، والحياء من اللّه عزّ وجلّ . وقال بعضهم : أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيا منه . وقال أبو سليمان الدارانى : قال لقمان الحكيم لابنه : يا بنىّ كلّ أمر حدّثت به نفسك مما لو أخرجته للناس استحييت منهم ، فأخرجه من قلبك ، فإن اللّه عزّ وجلّ أحق أن تستحييه . وأنشد رجل من خزاعة : إذا لم تخش عاقبة اللّيالى * ولم تستح فافعل ما تشاء فلا واللّه ما في العيش خير * ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء يعيش المرء ما استحيا بخير * ويبقى العود ما بقي اللّحاء وقال وهيب بن الورد : كنت أطوف حول البيت - يعنى الكعبة - فإذا رجل قد وضع يده على منكبي ، فقال : يا وهيب خف اللّه تعالى لقدرته عليك ، واستحى من اللّه عزّ وجلّ لقربه منك . قال وهيب : فلم أر أحدا ، قال : وكونوا يرون أنه الخضر عليه السلام . وقال أبو سليمان : يقول اللّه عزّ وجلّ : « عبدي ، إنك إذا استحييت منى أنسيت الناس عيوبك ، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك ، ومحوت من الكتاب زلاتك ، ولا أناقشك في الحساب يوم القيامة » .